مقدمة الكتيب

لم يكن اختيار قرية فلسطينية مهجرة في جنوب البلاد في هذه الفترة لإحياء ذكرى نكبتها، محض صدفة. فالهجمة المسعورة الأخيرة التي قام بها الجيش الإسرائيلي على أهل قطاع غزة أبرزت الحاجة على تسليط الضوء على جذور الصراع، أي على النكبة الفلسطينية. فإن الصواريخ التي يطلقها الفلسطينيون من غزة يمكنها أن توضح – لمن يريد التوضيح – رغبة وحاجة ومطلب الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم. وكانت الحرب الأخيرة على غزة محطة أخرى من محطات النكبة الفلسطينية المتواصلة. إذ أن معظم سكان القطاع هم لاجئون احتلت الصهيونية عام 1948 قراهم ومدنهم وطردتهم إلى هناك،  ليتم تطهير منطقة الجنوب الواقعة ضمن دولة إسرائيل من معظم سكانها الأصليين، ومنذ بداية النكبة وحتى اليوم يعاني اللاجئون الفلسطينيون من ملاحقات الاحتلال وعدوانه بأساليب شتى، منها احتلالهم مرة أخرى عام 1967 ومنها القصف والحصار والاغتيال.

يسكن معظم لاجئي سمسم في مخيم اللاجئين جباليا في قطاع غزة، على بعد 15 كم من قريتهم ولا يتسنى لهم حتى رؤيتها أو زيارتها. انتقل عدد من لاجئي سمسم  للسكن في الأردن، وتسكن عائلتان فقط داخل الخط الأخضر في دولة إسرائيل.

تؤمن "زوخروت" أن اعتراف الصهيونية بمسؤوليتها عن النكبة وعن تشريد الشعب الفلسطيني وإعادة اللاجئين إلى ديارهم هو القاعدة لحل الصراع في هذه البلاد. لذلك تقوم "زوخروت" بما تقوم به من فعاليات للتعريف والتوعية بموضوع اللاجئين والنكبة الفلسطينية في صفوف الجمهور العام وخاصة الجمهور الإسرائيلي.     

فيصدر هذا الكتيب ضمن مشروع متكامل تقوم به جمعية "زوخروت" (ذاكرات) لتوثيق التاريخ المطموس للنكبة.

بالتزامن مع صدور هذا الكتيب ستتم زيارة أطلال سمسم بمرافقة بعض لاجئيها لإحياء ذكراها ولنزع ستار التعتيم عن وجودها المبتور وتاريخها الموقوف منذ 61 عاماً. سيسمع الجمهور خلال الزيارة كيف أدار 1500 فلسطيني وفلسطينية حياتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والزراعية، حتى  13 من أيار 1948، حين هجمت على قريتهم قوات صهيونية من لواء "هنيجب" (النقب) وسلبت كل ما ملكوا، حتى أحلامهم. سيقوم المشاركون في الجولة بزيارة المواقع الرئيسية في القرية ووضع لافتات للتذكير بما كان فيها قبل التدمير.
كان كيبوتس "جبارعم" جاراً لقرية سمسم منذ أقيم عام 1942 على أراض امتلكها يهود من الفلسطينيين. في عام 1948 كان الكيبوتس نقطة انطلاق للهجوم على القرية واحتلالها. يسيطر الكيبوتس منذ النكبة على أراضي سمسم وعلى موقع المنازل الـ 345 التي هدمها الاحتلال جميعاً في فترة لاحقة. وقد أعلن الكيبوتس عن قسم من أراضي سمسم كمحمية، تشمل أكوام حجارة البيوت المدمرة وآبار الماء الجافة وردم المسجد والمقبرة المهملة، إلاّ أن الدخول لأبقار الكيبوتس مسموح فتقوم بالرعي هناك وتدنيس المنطقة. 

يأتي هذا الكتيب بمعلومات عن تاريخ سمسم وتهجيرها، ويأتي بشهادات وذكريات من لاجئيها الذين يذكرون شجرة الجميز التي لعبوا تحتها وقطيع الغنم الذي اعتنوا به ساعة الهجوم على بلدهم وتشريدهم. وتمثل الخرائط المرفقة بالكتيب شاهداً آخر على حضور وكينونة قرية سمسم التي أراد الاحتلال مسحها عن الخريطة كما مسحها عن وجه الأرض. أما الصور الحديثة الموجودة في الكتيب فقد التقطت مؤخراً في موقع القرية لتبيّن آثار النكبة كما هي اليوم على أرض الواقع.

هذا هو الكتيب الـ 30 من سلسلة ذاكرات القرى المهجرة التي تصدرها جمعية زوخروت، صدر قبله كتيبات عن المواقع المنكوبة التالية: الراس الأحمر، عين كارم،  عجور، كويكات، أم برج، خربة اللوز، الشيخ مونـّس، المالحة، العجمي في يافا، حطين، الكفرين، الشجرة، ترشيحا، بئر السبع، اجليل، اللجون، سحماتا، الجولان، اسدود والمجدل، خربة جلمة، الرملة، اللد، عكا، حيفا، عين المنسي، الحرم (سيدنا علي)، عين غزال، لفتا ودير ياسين.

زوخروت
آذار 2009

---------

قرية سمسم

أقيمت قرية سمسم فوق رقعة أرض منبسطة في منطقة السهل الساحلي وترتفع نحو 50 متراً عن سطح البحر وتحيط بها التلال. كانت تابعة قبل احتلالها لمحافظة غزة وتقع على بعد 19 كم إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة. وكانت تبعد عن طريق غزة – المجدل الساحلية حوالي 5 كم.  كانت تربطها دروب ترابية بالقرى المجاورة مثل دير سنيد وبرير ونجد وهوج وحليقات وبيت جرجا ودمرة. كل هذه القرى احتلت عام 1948.   كان الصليبيون يسمونها سمسم (Semsem) . يمر بطرفها الجنوبي وادي الشقفات أحد روافد وادي هربيا ( الموسوعة الفلسطينية ) الذي يرفد وادي الحسي المتجه غرباً نحو البحر المتوسط، ويسمي أهل القرية الوادي بالحسي وفيه رافدان: الوادي الكبير والوادي الصغير. كانت معظم مساكن سمسم مبنية من الطوب. ويتخذ مخطط القرية شكلاً دائرياً متشعباً. كانت أغلب منازل القرية تقع في وسطها وهناك كانت المرافق العامة مثل الجامع وعين البلد والمقبرة ومقام النبي دانيال. كانت مساحة الرقعة المبنية في أواخر عهد الانتداب البريطاني حوالي 44 دونماً.  وكان في القرية مدرسة ابتدائية، أسست عام 1934 جنوبي مركز القرية. وأصبحت عام 1947 مشتركة لقريتي سمسم ونجد المجاورة. 

اعتمد سكان سمسم لمعيشتهم على الزراعة وتربية المواشي، فاشتهرت بزراعة الحبوب والخضروات والحمضيات، وأحاطت بها البساتين من جميع الجهات. وكانت الزراعة تعتمد على الأمطار وعلى الري من الآبار العميقة المنتشرة في أراضي القرية، منها آبار تاريخية ومنها ما شيده أهل القرية الفلسطينيون. وفي أواخر عهد الانتداب غرست فيها الحمضيات في نحو 240 دونماً، والحبوب في أكثر من 12000 دونماً، وكان حوالي 250 دونماً مرويّاً مستخدماً للبساتين وزراعة الخضروات. بلغت مساحة أراضي القرية 16797 دونماً، منها 3386 امتلكها اليهود في عهد الانتداب وأقاموا عليها كيبوتس "جفار عام" سنة 1942. تتميز أراضي سمسم بتربتها الطينية الرملية الحمراء الخصبة وبكثرة المياه الجوفية. وتكاد معظم أشجار الفواكه تتركز في الجزء الجنوبي الغربي من سمسم حيث تتزود الأرض بالرطوبة الكافية من الأمطار الشتوية وفيضانات الأودية التي تمر بهذا الجزء في طريقها إلى وادي هربيا. وفي العهد العثماني كانت تدفع الضرائب على القمح والشعير والفاكهة والماعز وخلايا النحل.

تضم القرية مناطق تاريخية أثرية مثل تل الراس ومنطقة البابلية وشعفة المغر وفيها قبور رومانية محفورة في الصخر. 
ذكرت مصادر تاريخية أن عدد سكان سمسم عام 1596 كان حوالي 110 أشخاص، وفي عام 1922 سكنها حوالي 760 نسمة، وفي عام 1931 حوالي 855 وفي عام 1945 نحو 1290 نسمة، وكان عدد سكان سمسم عام 1948 قبل تهجيرهم حوالي 1500 نسمة. 

احتل لواء "هنيجب" (النقب) قرية سمسم في 13 أيار 1948. ويقع موقع القرية وأراضيها اليوم تحت سيطرة كيبوتس "جفار عم"، وتمّ تدمير جميع مباني القرية بما في ذلك مدرستها ومسجدها. يمكن اليوم رؤية أجزاء من حيطان بعض منازل القرية وأكوام حجارة البيوت التي دمرها الاحتلال. أما مقبرة القرية فمهملة وتقع في المنطقة المسيجة المستعملة كمرعى أبقار. حوّل الكيبوتس جزءاً من أراضي القرية إلى "محمية" تابعة له، ويقوم باستغلال باقي أراضي القرية للزراعة. 




لتحميل الملف