عمر الغباري

دولة إسرائيل والحركة الصهيونية منذ بدايتها عملتا جاهدتين على محو الأسماء العربية من الحيّز وإبدالها بأسماء عبرية- يهودية. ألقيت مهمة التسمية على لجنة الأسماء الحكوميّة التي أقيمت عام 1950 كاستمرار للجنة أسماء البلدان في الكيرن كييمت (الصندوق القومي اليهودي) التي أنشئت عام 1925. تتضمّن مهمة اللجنة منح أسماء للبلدان، مفارق الطرق، المتنزّهات، عيون الماء، الأودية، الجبال والسهول وغيرها. منذ تأسيسها أقرّت اللجنة آلاف الأسماء الجديدة، وقد أُدمجت هذه الأسماء في الخرائط الإسرائيليّة ولافتات الإرشاد على جوانب الشوارع ومداخل البلدان والمواقع المختلفة في أنحاء البلاد.

ليست هناك طريقة واحدة وحيدة لتحديد الأسماء ولكن الهدف واحد، تهويد الأسماء ومحو الهوية العربية من الحيّز ومن الوعي. اعتمدت اللجنة أحيانًا على مصادر توراتيّة وانتشلت منها أسماء تاريخيّة مثل يروشلايم، موديعين، چيزِر وغيرها، وقد ألغت في هذه الحالة حتى الأسماء العربية الشبيهة جدًّا للعبرية واستبدلتها مثل يافو بدل يافا وعكو بدل عكا وتسُرعة بدل صرعة. وبملاحظة عرضيّة أقول إنّ قسمًا من هذه الأسماء ليست عبريّة أو يهوديّة وإنّما كانت قائمة في أرض كنعان قبل دخول بني إسرائيل إليها فاستعملوها. وقامت لجنة الأسماء في بعض الحالات بترجمة الاسم العربي إلى العبريّة دون أيّة علاقة بين الاسم العبري والمكان مثل أييلٍت هشاحَر التي هي ترجمة حرفيّة لاسم القرية المهجرة نجمة الصبح. وأحيانًا حرّفت الاسم العربي إلى كلمة عبرية شبيهة مثل عـچور بدل عجور وعين ليمور بدل عين العمور.  بعض الأسماء العبرية منحت لبلدان ومواقع بسبب حادثة أو معركة في العصر الحديث ولكنها تشبه اسم القرية العربية المهجّرة القريبة مثل كيبوتس "نتيـڤ هلامِد هِه" ومعناها "درب الـ 35" تخليدًا لخمسة وثلاثين قتيلًا من سريّة عسكرية قتل كلّ عناصرها في كمين قرب قرية بيت نتيف، وكاسم مستعمرة كفار دانيئل على اسم دانيئل فريش رئيس منظمة صهيونيّي أمريكا، ولكنها إقيمت على موقع القرية الفلسطينية المهجّرة منذ 1948 دانيال. في بعض الحالات النادرة استعمل الإسرائيليّون رسميًّا الاسم العربي – خاصة في المواقع التي استولوا عليها قبل عام 1948- مثل جعارة، سجرة، كركور وكذلك كابري.

إن عمليّة عبرنة الأسماء ما زالت فاعلة حتى اليوم إزاء مواقع مختلفة وحتى إزاء بلدان فلسطينية ما زالت قائمة داخل دولة إسرائيل، فعلى سبيل المثال حوّلت السلطات اسم مفرق عبلّين في الجليل إلى مفرق إڤلايم، قبل عدة سنوات فقط.  

من الواضح أن وراء هذه القرارات فكرًا صهيونيًّا متجذّرًا يعمل بكل ما أوتي من قوة على تغيير هوية المكان وملامح المشهد الفلسطيني، لترسيخ وضع سياسيّ وصناعة وعي جديد يتلاءم مع أهداف الاحتلال والاستعمار. ولجنة الأسماء تقوم بعمل "ناجع" في هذا الاتجاه لكيّ الوعي والإيهام بأنّ الحيز هو يهودي وفقط يهوديّ ولا وجود فلسطينيّا فيه، إلا ما ندر.

فقد قال داڤيد بن چوريون: ” علينا إقصاء الأسماء العربية لأسباب سياسية، فكما أننا لا نعترف بالملكية السياسية للعرب في البلاد، كذلك لا نعترف بملكيتهم الروحانية وبأسمائهم“ وفي موقع آخر قال:مع احتلال النقب ورفع علم إسرائيل في إيلات نبعت الحاجة الملحّة ... تحديد أسماء عبرية، إلغاء النغمات الغريبة وإغناء خريطة النقب بأسماء أصلية، قريبة من قلب وأذن المدافع والمستوطن العبري في النقب“.

الخريطة الإسرائيلية الأولى بعد قيام الدولة المتعلقة بالنكبة هي خريطة بريطانية باللغة الانجليزية قامت اسرئيل بإضافة أسماء عبرية عليها للمستعمرات الإسرائيليّة الجديدة بينما كتبت بين قوسين بالعبرية (הרוס) أي مهدوم، تحت أسماء القرى الفلسطينية المهجّرة. عمليًّا- الخرائط الإسرائيلية هي خرائط النكبة. هناك تتجسّد النكبة. فهي التي تخفي المدن والقرى الفلسطينيّة والأسماء العربية للسهول والوديان والجبال وتمنحها أسماء عبرية.

أما الفلسطينيون، فبعد صدمة النكبة لم يعملوا على توثيق ما هو مفهوم ضمنًا بالنسبة إليهم، ولكن بعد أن عانوا طول النكبة وتأخّر العودة، بدأوا بتوثيق أنفسهم وتاريخهم وقراهم ومدنهم وأحيائهم.

وخلال العقدين الأخيرين انتشرت ظاهرة رسم القرى الفلسطيينّة من مخيّلة اللاجئين واللاجئات بهدف الحفاظ على الذاكرة والتاريخ وتسليمها للأجيال الصاعدة. لعل هناك علاقة بين السنّ المتقدمة التي بلغها اللاجئون ثم وفاة الكثير منهم وبين بداية مشروع التوثيق الفلسطينيّ عامّة. بالموازاة قام مهنيّون فلسطينيّون بإصدار خريطة فلسطين قبل النكبة نذكر منهم الباحث والمهندس الفلسطيني الأستاذ سلمان أبو ستة الذي أصدر عام 1998 خريطة فلسطين بالعربية والانجليزية أحيى فيها أسماء المدن والقرى الفلسطينيّة الآخذة في النسيان، وما زال إناؤه ينضح بإصدارات متجددة لأطلس فلسطين وخرائط مدنها.

كان لجمعية زوخروت-ذاكرات مساهمة في هذا المجال عندما أصدرت قبل ثلاث سنوات الطبعة الأولى لخريطة النكبة باللغة العبرية، تماشيًا مع أهداف الجمعية لمواجهة المجتمع الإسرائيلي بحقائق النكبة وجرائم المحو والإنكار التي مارستها وما زالت تمارسها الصهيونيّة ضد الوجود الفلسطيني.

ما نريد أن نؤكّد عليه أنّنا لا نرى في هذه الخريطة وثيقة للتذكير بالماضي فحسب، بل نرى في إصدارها عملًا سياسيًّا مناهضًا للممارسة الإسرائيليّة الاستعماريّة ونرى فيها خطوة أولى في تصحيح مظالم النكبة ودعوة لرؤية المستقبل من خلالها، حيث لا بدّ من بناء هذه البلدان التي دمّرت على يد الإسرائيليّين تطبيقًا لحق العودة للاجئين والمهجّرين الذين ما زالوا يناضلون من أجل هذا الهدف. وقد سبقنا سلمان أبو ستة في هذا التوجّه حينما أطلق على أحد إصداراته اسم طريق العودة، مساهمًا بذلك في تطوير ثقافة العودة وليس فقط ثقافة النكبة.

خلال السنوات الأخيرة تشارك ذاكرات-زوخروت مع جمعيّة الدفاع عن حقوق المهجرين وجمعية بلدنا والمؤسسة العربية لحقوق الإنسان في مشروع يهدف إلى تصوّر العودة الفعليّة بين أوساط شبابيّة فلسطينيّة في الداخل اسمه مشروع "عُدنا". وقد قامت هذه المجموعات برسم وتخيّل قراهم بعد العودة.

 للخلاصة نقول بأن هناك أهميّة لوجود خرائط ترسم الماضي لتكشف جريمة المحو والإبادة من الحيز والوعي ومن خرائط الاستعمار وكتبه ولافتاته، ولكن أيضًا هناك أهمية لتوسيع وظيفتها لجعلها خرائط ترسم المستقبل وتشقّ طريق العودة.

 

حيفا 20.6.2016

بمناسبة اليوم العالمي للاجئ