ذاكرات


للإستماع لباقي الحلقات


حنان نفار: مرحبًا. نجري اليوم مقابلة بعد ساعات قليلة من قرار وقف إطلاق النار. والمقابلة اليوم مع السيدة حنان شحادة. أود أولًا أن تعرّفينا بنفسك، وأن تعطينا خلفية بسيطة عن عائلتك، ومن أين أنتِ.

حنان شحادة: أنا حنان شحادة، واسمي الأصلي حنان قاسم. أنا من مواليد غزة، مخيّم الشاطئ، أي من عائلة مهجّرة. تعود أصول عائلتي إلى المجدل، ثم انتقلوا إلى غزة وسكنوا في مخيم الشاطئ. نحن ست بنات وولدان. توفي والدي عندما كنا مهجَّرين حديثًا، وأنا لا أعرفه، فقد توفي وعمري عام ونصف العام. عشنا حياتنا في غزة، كأي عائلة مهجَّرة، حياة مليئة بالكفاح. كانت والدتي خياطة، واتسمت حياتنا كلها بالكفاح في كنف والدتي. ولكن الحمد لله، تمكّن الجميع من الالتحاق بالتعليم، فكما تعلمين، التعليم لدى أهل غزة هو الأهم. الجميع تعلّموا وتخرجوا، ومارسنا حياتنا. عند التهجير، هُجّر نصف أفراد عائلة والدتي من المجدل إلى غزة، والنصف الآخر إلى اللد. بعد عام 1967، أصبحنا نتبادل الزيارات، تزوجت من ابن خالتي وسكنت في اللد. في البداية كان بإمكاننا زيارة غزة ثم العودة، كان ذلك في عام 1967. ولكن عندما اندلعت الانتفاضة الأولى وفُرضت القيود والإغلاقات، بات الذهاب صعبًا، ولم أدخل غزّة منذ 15 عامًا.

 

حنان نفار: منذ 15 أو 16 عامًا؟

حنان شحادة: منذ 15 أو 16 عامًا. عندما توفيت والدتي، قالوا لي: " انتهى الأمر، كنتِ تذهبين من أجل والدتك". كانوا يمنحونني التصريح من أجلها. بعد وفاتها، منعوني.

 

حنان نفار: بعد وفاة والدتكِ مُنعتِ من الزيارة؟

حنان شحادة: نعم، لم يعودوا يمنحونني التصريح، ومنذ ذلك الحين، لم أذهب.

 

حنان نفار: أود أن أعود قليلًا إلى الوراء. في أي سن....؟ فهمت منكِ أنكم هُجِّرتم إلى غزة، وجزء منكم هُجِّر إلى اللد. أيّ جزءٍ هذا؟

حنان شحادة: نعم، جدي وجدتي.

 

حنان نفار: نعم.

حنان شحادة: هُجِّروا إلى اللد بعد عام 1952.

 

حنان نفار: من أين؟

حنان شحادة: من المجدل.

 

حنان نفار: من المجدل، نعم.

حنان شحادة: أولئك الذين بقوا في المجدل، نقلوا إلى اللد.

 

حنان نفار: ....

حنان شحادة: وخيّروهم، لا أعرف التفاصيل.

 

حنان نفار: وأنتم؟

حنان شحادة: نحن هُجّرنا إلى غزة.

 

حنان نفار: خرجتم من المجدل إلى غزة؟

حنان شحادة: إلى غزة.

 

حنان نفار: ما حدث عمليًا هو الفصل بين أفراد نفس العائلة. جزء تشتت إلى اللد وجزء إلى غزة.

حنان شحادة: نعم.

 

حنان نفار: والعائلة التي بقيت في اللد، هل كانت زياراتكم لها منتظمة؟ وما كانت مدة الزيارات؟

حنان شحادة: بعد عام 1967. قبل ذلك لم تكن هناك زيارات.

 

حنان نفار: لم تكن هناك زيارات؟

حنان شحادة: صحيح، كنت صغيرة. أنا من مواليد غزة، ولست من مواليد المجدل. ولكن بعد عام 1967، بدأت الزيارات. قبل ذلك، من عام 1948 إلى 1967، لم يكن هناك تواصل، فقد كانت غزة تابعة لمصر.

 

حنان نفار: في أيّ عام ولدت؟

حنان شحادة: 1961.

 

حنان نفار: 1961. إذًا، عندما بدأت العلاقات مع العائلة المقيمة هنا، هل كنتِ لا تزالين طفلة صغيرة، أم أنّكِ بدأتِ تدركين ما يجري من حولك؟

حنان شحادة: نعم، بدأت... لا، عندما بدأت العلاقات كنت طفلة صغيرة، وكان جدي يأتي لزيارتنا. لم أكن أعي قبل ذلك أن لدينا عائلة في اللد. بعد أن تجدّدت العلاقات عام 1967، بدأت أدرك الأمر. كانت الطريق مفتوحة للسفر والتنقّل.

 

حنان نفار: وكنتم تلتقون دائمًا في غزة؟ أيّ أنّه عندما كانت العائلة تأتي للزيارة، كانت تزوركم في غزة؟

حنان شحادة:  ونحن أيضًا كنا نأتي.

 

حنان نفار: وكنتم تأتون إلى اللد؟

حنان شحادة: صحيح.

 

حنان نفار: هل كنتم تزورون المجدل بعد أن هُجِّرتم منها؟

حنان شحادة: بالتأكيد، نعم، كثيرًا [جزء غير مسموع].

 

حنان نفار: برفقة من كنت تزورين اللد؟

حنان شحادة: برفقة والدتي، شقيقاتي، وكان جدي يأخذنا ويحضرنا إلى هنا. كانت العائلة كلها تأتي، وكانت الطريق سهلة. بعد الانتفاضة الأولى، بات الأمر صعبًا.

 

حنان نفار: وبعد الانتفاضة الأولى بات الأمر صعبًا.

حنان شحادة: نعم، بات صعبًا.

 

حنان نفار: وفي أي سنّ تزوجتِ وانتقلتِ إلى اللد؟

حنان شحادة: كنت في الـعشرين من عمري.

 

حنان نفار: في عمر العشرين؟

حنان شحادة: كان عمري عشرين عامًا بالضبط.

 

حنان نفار: هل تذكرين في أي سنة تم ذلك؟

حنان شحادة: في عام 1980... لا، تزوجت في عام 1981.

 

حنان نفار: وتزوجتِ في اللد وحافظت علاقة بعائلتكِ في غزة طبعًا.

حنان شحادة: نعم، نعم بالتأكيد. فخالتي هنا، وكانت والدتي تأتي وتذهب، فنحن أقارب وعائلة واحدة.

 

حنان نفار: رحمها الله. هل تذكرين وتيرة اللقاءات بينكم بعد زواجكِ؟ وكم كانت المدة الفاصلة بين كل زيارة وأخرى من جانب عائلتكِ؟

حنان شحادة: نعم، كانت تأتي دائمًا. كل شهرين تقريبًا، وأنا كنت أذهب كل شهر. هكذا كانت العلاقات. وكنت آخذ أبنائي وهم صغار. سافرت ذات مرة إلى مصر أيضًا، وبقي ابني عبد، وهو صغير، لدى أهلي في غزة لمدة أسبوعين.

 

حنان نفار: نعم. وهل يذكر أبناؤك زياراتهم لغزة؟˙

حنان شحادة: نعم، جميعهم.

 

حنان نفار: جميعهم؟

حنان شحادة: جميعهم.

 

حنان نفار: الصغير أيضًا؟

حنان شحادة: أمير، نعم.

 

حنان نفار: حقًا؟ أمير أيضًا...

حنان شحادة: أمير يبلغ اليوم ثلاثين عامًا، لم يعد صغيرًا.

 

حنان نفار: وهل سنحت له الفرصة لزيارة غزة؟

 

حنان شحادة: جاء معي في آخر مرة قبل بلوغه سنّ الـ 16 عامًا بشهرين، فدخل معي باسمي لأنه كان لا يزال مدرجًا ضمن بطاقة هويتي ولم تكن لديه بطاقة هوية خاصة. وقالت له الموظفة يومها: "هذه آخر زيارة لك بهذه الطريقة، في المرة القادمة ستأتي وحدك، سيصبح عمرك 16 عامًا ويجب أن تقدم طلب تصريح بنفسك". ومنذ ذلك الحين لم يذهب.

 

حنان نفار: ولم يعد؟

حنان شحادة: كان يحب الذهاب كثيرًا. أكثر من يحب الذهاب.. عبد وأمير. في إحدى المرات أعادوا عبد، فقد جاء معنا وأعادوه.

 

حنان نفار: هل يمكنك أن تعطينا خلفية عن عدد أبنائك وأعمارهم، لأنكِ ستذكرينهم كثيرًا في المقابلة.

حنان شحادة: لديّ أربعة أبناء. الابنة الكبرى فداء، ويبلغ عمرها اليوم أربعين أو إحدى وأربعين سنة. يليها عبد، وعمره سبعة وثلاثون عامًا، أي إنّ الفارق بينهما نحو أربع سنوات. ثم محمود، وعمره أربعة وثلاثون عامًا، وأخيرًا أمير الذي يبلغ ثلاثين أو إحدى وثلاثين سنة. الفارق العمري بين كل واحد منهم والآخر يقارب ثلاث إلى أربع سنوات.

 

حنان نفار: وهل كنت أنتِ وزوجكِ والأولاد تذهبون وتأتون في زيارات إلى غزة؟

حنان شحادة: نعم، كان، مع والد عبد، بالسيارة.

 

حنان نفار: وكيف كانت الزيارات إلى غزة؟ حاولي أن تسترجعي ذكرياتك، ماذا كنتِ تحبين في زياراتك إلى غزة، أين كنتم تحبون أن تذهبوا وتقضوا أوقاتكم؟

حنان شحادة: كانت جميلة، أجواء عائليّة. كنا نقضي الوقت على البحر، وفي المحلات. كانت هناك مطاعم، والناس كانوا يعيشون حياتهم. صحيح أنهم كانوا راضين بالقليل، لكن حياتهم كانت جميلة وأرواحهم كانت جميلة، وأهل غزة يحبون الحياة جدًا.

 

حنان نفار: لنعد قليلًا للسؤال الأخير الذي طرحته عليك.

حنان شحادة: نعم، قلت إنّنا كنا نستمتع بوقتنا هناك. كنا نذهب لحضور أفراحهم، مناسباتهم، ولكن إلى أن تزوج إخوتي، لم أحضر منذ ذلك الحين أي حفل زفاف لأبناء إخوتي. حتى أن ابني عبد كتب في أول حفل زفاف لابن أخي، قال: "تزوج ابن خالي ولم نستطع الحضور". كانت هناك قيود وكان الذهاب صعبًا. لم أحضر أي حفل زفاف لأولاد أخي، لكن حضرت أفراح إخوتي أنفسهم.

 

حنان نفار: في أي عام قمت بآخر زيارة لكِ إلى غزة؟

 

حنان شحادة: توفيت والدتي عام 2008. منذ 2008 أو 2009 لم أذهب إلى غزة.

حنان نفار: ومنذ ذلك الحين، هل حاولتم ترتيب لقاءات خارج غزة؟

 

حنان شحادة: كانت إحدى أخواتي تخرج من غزة إلى عمّان، حيث تقيم أخت أخرى لي، كانت لي أيضًا أختان تقيمان في السعودية تأتيان إلى هناك، وكنا نلتقي جميعًا في عمّان. أمّا أخي فكان يحصل أحيانًا على تصريح للعلاج في الضفة الغربية، فكنا نذهب لزيارته هناك. غير أنّ كل ذلك كان ممكنًا حتى عام 2014 فقط، إذ بعد ذلك لم يعد اللقاء ممكنًا.


 

حنان نفار: لم تعد هناك إمكانية لذلك؟

حنان شحادة: لا، لم يعد ممكنًا لأهل غزة. ما زلت أذهب إلى عمّان لزيارة أخواتي. أما بعد 2014، فلم يعودوا يمنحونهم تصاريح للخروج.

 

حنان نفار: لم يعودوا قادرين على الخروج من غزة؟

حنان شحادة: نعم، كانوا يمنحونهم تصاريح للذهاب إلى المستشفيات في الضفة، أو إلى مستشفى المقاصد في القدس. لكن بعد عام 2014، لم يعد ذلك ممكنًا.

 

حنان نفار: وكيف تتواصلون مع بعضكم البعض بما أنكم لا تستطيعون الالتقاء؟ كيف كان تواصلكم منذ 2014؟

حنان شحادة: عبر الهواتف. لدينا مجموعة على الإنترنت للأخوات والأخوة، نكتب فيها جميعًا. خلال هذه الحرب، ننتظر يوميًا أن يكتب أحدهم "صباح الخير" لنتأكد أنهم على قيد الحياة.

 

حنان نفار: (صوت همهمة).

حنان شحادة: لأنه لا يوجد تواصل منتظم، ولا يتوافر لديهم الإنترنت دائمًا، ولا الكهرباء، ولا أي وسيلة ثابتة للتواصل. لذلك فإنّنا ننتظر، ولا سيما حين نسمع عن قصف للخيام أو غيرها، أن يعطي أحدهم أي إشارة تطمئننا. كان التواصل يقتصر على الهواتف فقط.

 

حنان نفار: نحن نتحدث الآن عن الوضع الحالي مع حرب الإبادة الجارية.

حنان شحادة: منذ عام 2023.

 

حنان نفار: نحن اليوم في عام 2024 وما زال الأمر مستمرًا. فقبل ساعات معدودة فقط، توصّلوا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

حنان شحادة: لم يدخل بعد حيّز التنفيذ.  سأبقى قلقة حتى يوم الأحد. سنرى ما سيحدث يوم الأحد.

 

حنان نفار: أود أن أعود إلى الوراء قليلًا، إلى الحرب السابقة. فقد كانت هناك حروب كثيرة.

حنان شحادة: نعم، لكن هذه الحرب هي الأصعب. إنّها أصعب ما مرّ عليهم. أن يخرجوا من بيوتهم وأن يسكنوا في خيام، والآن البرد قارس... ماذا عسانا نقول؟ لقد تعبنا.

 

حنان نفار: خلال حرب 2014، هل شعرتِ أن الحرب أثرت على التواصل بينك وبين عائلتك؟ أيّة تجربة عشتِ معهم وأنتِ بعيدة وهم هناك؟

حنان شحادة: التجربة كانت بنفس صعوبة الإحساس الحالي. في آخر يوم من الحرب، في يوم الاتفاقية، كان ابن أخي يبلغ من العمر 25 عامًا. قيل لنا إن الاتفاقية ستدخل حيّز التنفيذ صباحًا، ولكنه استشهد في عشية وقف إطلاق النار. كنا ننتظر انتهاء الحرب بفارغ الصبر قبل أن يصاب أي شخص بأذى.

 

حنان نفار: (صوت همهمة).

حنان شحادة: إنهم يطلقون الصواريخ عن دراية كاملة بالمكان المستهدف، أيًّا كان، غير آبهين بمكان سقوطها.

 

حنان نفار: هل تقصدين أنّه في حرب 2014، أُعلن عن وقف إطلاق النار صباحًا وبعد ساعات قليلة؟

حنان شحادة: لا، لم يُعلن صباحًا. قالوا إن هناك اتفاقية لوقف إطلاق النار، وإنّها ستدخل حيز التنفيذ غدًا، وفي تلك الليلة استشهد ابن أخي.

 

حنان نفار: استشهد ابن أخيكِ وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

حنان شحادة: نعم، كان شابًا.

 

حنان نفار: هل فقدتم أفرادًا آخرين من العائلة في حرب 2014 أو قبل حرب الإبادة الحالية؟

حنان شحادة: نعم، انظري، عائلة حسين في غزة، على سبيل المثال، هي عائلة كبيرة جدًا يصل عدد أفرادها ربّما إلى 10 ألف شخص. بالتأكيد سمعنا عن وفيات من أبناء العمومة، من عائلة صالحة، لكنني لا أعرفهم جميعًا لكثرتهم. سمعنا عن وفاة أحد أبناء العم، وأحد من عائلة صالحة، وآخر من عائلة أخرى. لكن اليوم، في حرب الإبادة هذه، أُبيدت عائلات بأكملها من آل صالحة أو آل الخطيب. بسبب كثرة الأعداد، لا يعرف المرء إلا الأقربين إليه. بالتأكيد فقدوا أفرادًا من العائلة.

 

حنان نفار: عندما تذكرين اسم حسين، هل تقصدين زوجكِ؟

حنان شحادة: نعم، نعم. عائلته كبيرة جدًا.

 

حنان نفار:. له أيضًا عائلة في غزة.

حنان شحادة: نعم، كل عائلته هناك أيضًا.

 

حنان نفار: هناك الكثير من العلاقات والقرابة، للأسف من تهجيرنا في عام 1948.

حنان شحادة: للأسف، منذ تهجيرنا عام 1948، لا يوجد أحد بلا أقارب. لا يوجد شخص من عرب الداخل هنا ليست له عائلة في غزة. الجميع لهم أقارب هناك، ولا سيما في المدن المختلطة. انقسمت العائلات بين من هاجر ومن بقي، ومن عاد ومن غادر. في النهاية، لا يوجد أحد بلا عائلة في غزة.

 

حنان نفار: أيّ شعور ينتابك أثناء تجوالك في الشوارع وسماع اللغة العبرية، متابعة الأخبار والأحداث، ورؤية السلاح، خاصة في اللد في الآونة الأخيرة، حيث وُزّع السلاح على الجميع؟ أيّ شعور ينتابك علمًا أنّه لديك عائلة في غزة تُباد وتنزح، وفي المقابل أنتِ موجودة هنا وتعيشين بينهم؟ كيف...؟

حنان شحادة: كيف أشعر؟ انظري، أنا أريد أن أعيش بسلام. هذا هو شعوري. قبل كل شيء، أريد أن أعيش بسلام. لا أريد سلاحهم ولا سلاح أيّ أحد. نريد أن نعيش بسلام. لديّ أبناء، ولديّ أحفاد، وكل ما أريده هو الحياة. نحن لن نغادر هذه البلاد، لا هم ولا نحن. نحن نعيش هنا. سلاحهم شأنهم. من يحمل السلاح هو الخائف، لا أنا. أنا لست خائفة. أمشي في الشارع بشكل طبيعي. فليحمل سلاحه ويُتعب نفسه، هو حرّ. لكن في النهاية، ما نريده هو أن نعيش بسلام هنا، وفي كل مكان. أمّا هذا الشعور، فهو شعور داخلي، مؤلم. أن يحمل ذاك سلاحه، ويمشي ويعيش في الشارع، بينما أنتظر أنا خبرًا من أهلي لأعرف إن كانوا على قيد الحياة أم لا. ومع ذلك، في النهاية، نريد أن نضمن مستقبل أبنائنا وأحفادنا، والأهم أن نعيش بسلام هنا. لا نريد سلاحًا، ولا نريد لأحد أن يحمل السلاح، لا منّا ولا منهم. هذا هو الأهم. هذا ما أقوله.

 

حنان نفار: قبل أن نبدأ المقابلة، شاركتِني بشعور وقلتِ لي إنه من الصعب جدًا أن يكون لديكِ عائلة وأقارب وأشخاص قريبون تعرفينهم في مثل هذا المكان.

حنان شحادة: عندما تكون كل عائلتك الآن في الخيام، في مناطق تُقصف يوميًا. يقصفون أماكن وجود الخيام! ألم تبعثوا النازحين بأنفسكم وقلتم لهم اذهبوا إلى الخيام؟ فلماذا تقصفونهم؟

 

حنان نفار: أخبرينا قليلًا عن عائلتك، ماذا ألمّ  بهم منذ بداية الحرب الأخيرة؟ إلى أين نزحوا؟ ومن أين خرجوا؟

حنان شحادة: أهلي من حي النصر، من الشيخ رضوان. يسكنون جميعًا في بناية واحدة، اثنان مع أبنائهم، بنوا منازلهما بجانب بعضهما البعض. في بداية الحرب، رفضا الخروج. عندما بدأت الحرب وبدأوا يطلبون من سكان الشمال مغادرة غزة، رفضوا وأرادوا البقاء. بقوا حتى أصبح القصف فوق رؤوسهم. أصبحوا يركضون في الشارع. كتب لي أخي يقول: "أنا أركض في الشارع ولا أعرف إلى أين أذهب". استمر في طريقه حتى وصل إلى حي الرمال، ووجد مأوى عند منزل عمه. بعد ذلك، نزحوا إلى النصيرات، وأقاموا في المدارس. قُصفت المدارس وقُصفت النصيرات، فخرجوا منها إلى دير البلح. قُصفت دير البلح أيضًا. من دير البلح ذهبوا إلى خانيونس، حيث استضافهم أناس في شقة وأقاموا فيها جميعًا. كانت أختي في زيارة من السعودية في غزة في ذلك الوقت.

 

حنان نفار: عندما بدأت الحرب؟

حنان شحادة: نعم، عندما بدأت الحرب. أبناؤها في الخارج، في السعودية، كانوا يتصلون ويرسلون الأموال. دفعت 10 آلاف دينار لتتمكن من الخروج من غزة، وذلك قبل إغلاق معبر رفح. والحمد لله، تمكنت من الخروج وعادت إلى أبنائها ومنزلها. نزحوا من النصيرات إلى دير البلح، ومن دير البلح إلى خانيونس. وفي خانيونس تعرضوا لقصف عنيف. انتقلوا بعدها إلى رفح، واستأجروا ما يشبه مستودعًا أو دكانًا كبيرًا وأقاموا فيه. لكن القصف طال المنازل في رفح أيضًا، فعادوا إلى خانيونس، وانتهى بهم المطاف في الخيام هناك. أختي كانت معهم طوال الوقت، فمنزلها يقع بجوار مستشفى الشفاء.

 

حنان نفار: (صوت همهمة).

حنان شحادة: كانت ترافق إخوتي أينما ذهبوا.

 

حنان نفار: وهل لديها أبناء؟

حنان شحادة: كل أبنائها في الخارج.

 

حنان نفار: ليس لديها أبناء في غزة؟

حنان شحادة: لديها أبناء، لكنهم في الخارج، ليسوا في غزة.

 

حنان نفار: كم عدد أفراد العائلة الذين تتحدثين عنهم والذين يتنقلون وينزحون من مكان لآخر؟ لأنك تتحدثين عن عائلة كبيرة وليست صغيرة، عن إخوتك وأبنائهم.

حنان شحادة: ربما 100 شخص، 100 شخص معًا. ربما 100 شخص، أو 70، في هذا النطاق. هم وأبنائهم وأحفادهم، جميعهم معًا.

 

حنان نفار: وهل بقوا معًا طوال هذا الوقت ولم يتركوا بعضهم البعض؟

حنان شحادة: نعم، كانوا أحيانًا يتركون شخصًا في دير البلح ليلحق بهم بعد أيام، لكنهم كانوا معًا معظم الوقت.

 

حنان نفار: وذكرتِ الآن الكثير من النزوح والتنقل من مكان لآخر. نحن نتحدث عن حرب مستمرة منذ أكثر من عام ونصف.

حنان شحادة: منذ عام ونصف يحملون هذه الخيام والأمتعة على أكتافهم. يحملون ما يستطيعون، الأغطية، المعاطف، ويقاومون البرد، وينتقلون من ملجأ إلى آخر. هذا هو حالهم جميعًا، ليس أهلي فقط، إنّما معظم العائلات في شمال غزة. لقد رأيتِ ما فعلوا في الشمال.

 

حنان نفار: أفهم من كلامكِ أنه لم يبقَ أحد من عائلتكِ في الشمال؟ جميعهم نزحوا وخرجوا؟

حنان شحادة: نعم، جميع إخوتي خرجوا. أختي وأخواي الاثنان وأبناؤهم وأحفادهم.

 

حنان نفار: وآخر مكان استقروا فيه هو خانيونس؟

حنان شحادة: في المواصي في خانيونس، في الخيام.

 

حنان نفار: هل فقدتم أحدًا من العائلة في الحرب الأخيرة؟

حنان شحادة: ابن خالي في النصيرات. كان من سكان الشيخ رضوان، لكنه استشهد عندما قصفوا النصيرات. وابنة خالي، فقدت ابنتها وحفيدها. وابنة عم زوجي، واثنان من أبناء عمه. فقدنا الكثير من الأقارب، أبناء العم وبنات الخالة. الكثير، عائلة أولاد عمه أُبيدت بالكامل، رحلت كلها، عائلة كاملة.

 

حنان نفار: عائلة كاملة أبيدت. في أي منطقة كانوا متواجدين؟ هذه العائلة رفضت النزوح؟ أم أنّ الأمر لا يتعلّق بالنزوح أو البقاء؟

حنان شحادة: في جباليا. لا يهم ما إذا كان الشخص نازحًا أم لا.  فهم يقصفون الجميع، يقصفون في كل مكان. لكن القصف الأعنف كان على الشمال، لأنّهم لم يخرجوا منه.

 

حنان نفار: هل تودين مشاركتنا بشيء آخر يتعلق بعلاقتك مع العائلة؟ كيف يتم التواصل معهم في هذه الأيام؟ نحن نتحدث عن فترة زمنية طويلة جدًا، يتوفر فيها الاتصال أحيانًا وينقطع في أحيان أخرى.

 

حنان شحادة:  عندما قُصفت غزة، كانت هناك أيام انقطع فيها الاتصال قرابة أسبوع كامل، وكنا نعيش حالة من الجنون الحقيقي. أختي وبناتها موزعات بين كندا ولندن وألمانيا، وتكرّرت الأسئلة: هل تحدث أحد مع والدتي؟ هل تواصل أحد معها؟ كان ذلك في الأيام التي تعرض فيها مستشفى الشفاء للقصف، كانت تسكن هناك، ولم تكن قد غادرت بعد. لا اتصال، لا هاتف، لا إنترنت. أسبوع كامل من القلق والخوف، إلى أن عاد الاتصال بالشبكة. لديهم طرقهم الخاصة، لا أعرف كيف، لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية فقط لشحن هواتفهم. تكرّر  ذلك مرات عديدة، وليس في ذلك الأسبوع فقط. كانت هناك أيام طويلة انقطع فيها التواصل تمامًا، وحينها تبدأ رحلة البحث في فيسبوك، لعل أحدًا كتب عن وفاة أو استشهاد شخص ما. أحيانًا ينتظرون أسبوعًا كاملًا قبل أن يكتبوا: الحمد لله، نحن بخير. كل ذلك بينما كانوا يبحثون عن مأوى، عن خيمة يقيمونها ليحتموا بها. كان الأمر قاسيًا، قاسيًا جدًا.

 

حنان نفار: وهل تمكنتِ من التواصل معهم ليس فقط بهدف الاطمئنان على سلامتهم؟ هل تمكنتم من إجراء مكالمات هاتفية؟

حنان شحادة: نعم، من الأسهل أن يتصلوا هم عند توفّر الإنترنت. نحن لا نستطيع الاتصال بهم، ولا يمكنني معاودة الاتصال. يمكنني فقط إرسال رسالة عبر واتساب، وعندما يتوفر لديهم الإرسال، يتصلون هم. يتصل أخي ليطمئنني. نحن نكتب لهم، لكنه هو من يتصل عندما يتمكن من ذلك. إذا حاولت معاودة الاتصال، لا ينجح الأمر.

 

حنان نفار: (صوت همهمة).

حنان شحادة: لم أتمكّن من التواصل معهم ولو مرة واحدة، ويجري التواصل عبر ابني عبد، فهو على اتصال بابنة خالتي، أقصد ابنة أختي المقيمة في كندا، وهي التي تتواصل معهم. 

 

حنان نفار: كأنه هاتف مكسور، ليس تواصلًا مباشرًا. هل يمكن أن أسأل كيف يكون سير المكالمة بينكِ وبين أخيكِ مثلًا؟ قلتِ قبل قليل إنه يتصل بكِ لأنه يرغب في سماع صوتك.

حنان شحادة: كيف تكون المحادثة؟ كان الله في عونهم. يرسل لي صورته وهو يشعل النار، وأحفاده ملتفون حوله في هذا البرد القارس، وصوت أختي بالكاد يُسمع. أقول لها: اعتني بنفسكِ يا أختي. فترد: بماذا أعتني؟ نحن نجلس في البرد… لو أشعلنا نارًا، كم ستدفئنا؟ كان الله في عونهم. أقول لهم: لقد هانت، إن شاء الله. يقول لي إن منازلهم تهدمت، ثم يضيف: سننصب الخيمة في داري. بيته هو بيته، حتى وهو مهدّم. إن شاء الله يا رب، كل شيء سيتعوض.


 

حنان نفار: تتحدثين عن 70 حتى 100 شخص من العائلة تقريبًا، هل تمكّن الجميع من معرفة وضع منازلهم بعد نزوحهم؟

حنان شحادة: بعض الأشخاص مقيمون في الشمال، ولديهم تواصل معهم، فيرسلون لهم صور منازلهم. لكن أختي لا تزال لا تعرف شيئًا عن بيتها، لأنه يقع بجوار مستشفى الشفاء. تقول إنها لا تعرف شيئًا حتى تعود وترى بنفسها. وجميعهم ينوون العودة، لن يبقوا في الخيام. إن شاء الله، ها نحن ننتظر لنرى ما سيحدث يوم الأحد.

 

حنان نفار: إن شاء الله خير.

حنان شحادة: إن شاء الله.

 

حنان نفار: هل لديكِ أي شيء تودين قوله بنفسك، بعيدًا عن أسئلتي؟ ربما هناك شيء ترغبين في الحديث عنه.

حنان شحادة: لا، ما قلناه يكفي ويزيد. نأمل أن تكتمل هذه الصفقة، وأن يسير كل شيء على ما يرام يوم الأحد. أنا لا أثق بهذه الحكومة أبدًا، لا أثق بها. كل شيء قد يتغيّر بسرعة.

 

حنان نفار: إن شاء الله خير. هل تشعرين بأنّ هذه الحروب التي تحدث في غزة، وهذا الواقع الذي تعيشونه كعائلة، تؤثر عليكم وعلى عائلتكم؟ هل تشعرين بأنّ شكل العائلة قد اختلف؟

حنان شحادة: بالتأكيد، كل شيء اختلف الآن. حياة العائلة بأكملها تغيّرت. السفر ممنوع، كل شيء ممنوع. لا يستطيع الإنسان إكمال تعليمه، فالخروج محظور، ولا توجد أي فرصة للتقدّم. أهل غزة يحبون العلم والدراسة، وهذا أكثر ما يؤثر فيهم ويؤلمهم، أنهم عاجزون عن التقدّم. هناك حصار. لا يمكنهم السفر لإكمال دراستهم في الخارج، إلا قلة قليلة جدًا، ومعظم العائلات لا تستطيع ذلك. وهل هناك مال؟ لا يوجد مال. ينتظرون المساعدات، أن يرسل هذا قليلًا وذاك قليلًا. لا يوجد عمل، ولا يوجد مال. أولاد أخي جميعهم خريجو جامعات، لكن لا وظائف، ولا تعليم، ولا أماكن للعمل، ولا إمكانية للخروج. كل هذه الأمور تؤثر عليهم. الحصار يؤثر كثيرًا على غزة، وهذا هو الأهم: أن يُرفع الحصار عنهم، كي يتمكن الناس من التقدّم.

 

حنان نفار: وهل تشعرين بأن هذا الواقع يؤثر على علاقاتكم بهم؟

حنان شحادة: لا، علاقاتنا بهم طبيعيّة. لكنكِ تحزنين عليهم، لأنهم يريدون أن يتقدّموا، وأن يتعلّموا، وأن يحققوا طموحاتهم، ولا توجد إمكانيات تسمح بذلك.

 

حنان نفار: الإمكانيات محدودة جدًا. في أوقات الحروب، هل كان هناك أصدقاء وأقارب هنا يهتمون بالسؤال، وبالتواصل، وتقديم العزاء عندما تفقدون أحدًا من أفراد العائلة؟

 

حنان شحادة: بالتأكيد، الناس هنا قريبون من بعضهم البعض، وخصوصًا العرب، على الأقل من الذين أعرفهم، وأنا لا أعرف الجميع. الجميع يسألون ويطمئنون دائمًا. حتى والدتكِ تسألني عن أهلي في غزة. أي شخص يعرفني يسأل ويطمئن. عندما يسمعون عن قصف في خانيونس، وهم يعرفون أن أهلي هناك، يتصلون ويرسلون رسائل للاطمئنان. وكل شخص يسأل عن أقاربه وأصدقائه.

 

حنان نفار: (صوت همهمة).

حنان شحادة: نعم، الجميع يسأل عن الجميع.  لأنّ الجميع لديهم عائلة في غزة.

 

حنان نفار: هل لديكِ علاقات مع أشخاص هنا من اللد، لديهم عائلات في غزة ويمرون بنفس تجربتكِ؟

حنان شحادة: نعم، عائلة الهندي، عائلة حجازي... لجميعهم أقارب هناك. وكلما رأيتهم أسألهم عن أهلهم. لجميعهم عائلة هناك، وتسألينهم عن أحوالهم وماذا ألمّ بهم.

 

حنان نفار: لو أمكننا أن نحلم قليلًا. ماذا كنتِ تتمنين؟ أي من ذكريات غزة تودين أن تعيشي من جديد؟ أماكن كنتِ فيها، أو تودّين زيارتها؟

حنان شحادة: كل شيء، كل شيء في غزة. أتمنى أن يعود كل شيء في غزة كما كان، وأتمنى أن أعود لأراها وأجلس فيها. في كل مكان. لقد عشت في غزة مدة 18 عامًا أو ربّما 19. أنهيت الصف الثاني عشر هناك. التعليم، الأصدقاء، الحياة... حتى بعد زواجي كنت أذهب إلى هناك. كل شيء في غزة جميل. لم يتركوا شيئًا جميلًا. الناس، الحياة، التقارب بين الناس، والطبيعة. طبيعتهم ساحرة، غزة جميلة. من يقول إن غزة ليست جميلة... هي ليست كذلك بسبب الهجرة والكثافة السكانية، لكن غزة كلها جميلة. كنت في باريس، أمشي في شارع الشانزليزيه، وقلت لهم إن شارع عمر المختار في غزة أجمل منه. سخروا منّي، لكن هذا ما رأيته. إن شاء الله ستعود غزة كما كانت.

 

حنان نفار: ماذا كنتِ ستفعلين لو جاء الآن خبر بأن الحصار قد رُفع؟

حنان شحادة: لذهبت فورًا.

 

حنان نفار: إلى أين، ما هو أول شيء ستفعلينه؟

حنان شحادة: أذهب لرؤية إخوتي وأختي، هذا أول شيء. لقد اشتقت إليهم كثيرًا، لم أرهم منذ زمن طويل. هذا أول شيء، أن يرى الإنسان عائلته ويطمئن عليها. بعد ذلك تأتي الأشياء الأخرى، وهم سيأخذونني إلى الأماكن الأخرى.

 

حنان نفار: تعتمدين عليهم. فوضت أمرك لهم.

حنان شحادة: نعم، إن شاء الله.

 

حنان نفار: إن شاء الله خير.

حنان شحادة: إن شاء الله.

 

حنان نفار: هل تودين إضافة شيء؟ ممتاز. شكرًا لكِ.

حنان شحادة: وأنا أيضًا.

 

حنان نفار: شكرًا جزيلًا لكِ. بصراحة، ليس من المفهوم ضمنًا أن تسمحي لنا بدخول بيتك ومشاركتنا وفتح قلبك. نحن نتحدث عن موضوع حساس جدًا، عن عائلتك وأحبابك. أود أن أشكركِ شخصيًا على أنكِ سمحتِ لنا بالاستماع  إليك وعيش هذه التجربة معك.

حنان شحادة: إن شاء الله تنتهي هذه الحرب. لتنته الحرب، هذا كل ما نريد، وألا تتكرر. أن تنتهي الحرب. في كل مرة نقول إن هذه هي الحرب الأخيرة، ثم نعود لنفس الوضع.

 

حنان نفار: نأمل أن تتوقف الحرب وينتهي الحصار يا رب، وأن تتمكني من تحقيق أمنيتك برؤية عائلتك والجلوس معهم. إن شاء الله. 

حنان شحادة: إن شاء الله.

حنان نفار: شكرًا جزيلًا لكِ.

حنان شحادة: أهلًا بكِ.