أسّست أحداث 1948 للصراع الإسرائيلي الفلسطيني ويمكن اعتبارها ساعة الصفر السابقة له. وقد حوّلت النكبة غالبية سكّان البلاد الفلسطينيين إلى لاجئين وتمّ تدمير معظم بلداتهم. قامت دولة إسرائيل من داخل الحلم والمخطّط الصهيونيين لتأسيس سيادة يهودية حصرية في فلسطين، "أرض إسرائيل" في عُرفها. النكبة أسست لعلاقات قمع الفلسطينيين من قبل اليهود في إسرائيل وهي تتجلى منذ ذلك الحين بأشكال شتّى، بحيث أنه لا يمكن فهم الصراع المستمرّ من غير التطرّق إلى أحداث تلك الفترة. على الرغم من ذلك، فإن اليهود في إسرائيل قلّما يتعاطون مع المأساة التي حلّت على الفلسطينيين في العام 1948، لا من الناحية الإنسانية ولا من ناحية مسؤولية اليهود في إسرائيل عن حصّتهم في النكبة. فهذا الحدث المؤسّس يُنظر إليه على أنه تعبير عن رغبة العرب في البلاد وفي الشرق الأوسط بطرد اليهود، ما أدّى إلى حرب دفاعية يهودية انتصر في نهايتها اليهود ودفع الطرف الفلسطيني المهزوم ما يستحقّه. إن مواصلة تجاهل اليهود للنكبة الفلسطينية وخصوصًا تحمل المسؤولية عن حصتهم فيها، تشكل أحد العناصر الأساسية لاستمرار الصراع العنيف الذي يؤدّي إلى معاناة للفلسطينيين أساسًا ولكن يشوّش أمن وحياة اليهود في البلاد، أيضًا.

رؤيا ذاكرات
إنّ تحمل اليهود المسؤولية عن حصتهم في النكبة الفلسطينية هو شرط حتميّ لإرساء سلام عادل ومصالحة بين سكان البلاد اليهود والفلسطينيين. فذاكرة النكبة الفلسطينية والاعتراف بواجب اليهود الأخلاقي في إسرائيل هما عبء أبديّ يجب على اليهود حمله من أجل حياة أفضل لهم ولكلّ سكّان البلاد. أهمية الحفاظ على ذكرى النكبة لا تتعلّق بالتغيّرات السياسية والثقافية، بل إنه يتلاءم مع حالة الصراع اليوم وربما ستكون له أهمية أكبر في استقرار حالة السلام مستقبلا. فالسلام سيسود في البلاد فقط بعد أن يتمكّن كافة أهلها ولاجئيها من العيش دون تهديد بالطرد أو منع العودة بالقوّة. لذلك، فإنّ الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم هو شرط حتميّ لتأسيس سلام ونظام ديمقراطي حقيقي في البلاد. حق العودة يجب ألا يكون متعلقًا بطابع التسوية السياسية النهائية في البلاد (دولتان، دولة واحدة، أو كونفدرالية)، بل إنّه شرط سابق لتلك كلّها. عودة اللاجئين الفلسطينيين هي التحدّي الأهم بالنسبة لليهود في إسرائيل. إنه تحدًّ سيلزم اليهود بتغيير أنفسهم. عودة اللاجئين ستحقّق العدل مع المهزومين، لكنها تشكّل أيضًا سيرورة تسمح لليهود في إسرائيل، بعد ما يزيد عن مائة سنة للصهيونية، بالاعتراف بأهل البلاد الأصليين وبمشهدها. عودة اللاجئين الفلسطينيين ستحوّل هذه البلاد بنظر اليهود من "أرض خاوية بلا شعب" إلى أرض ممتلئة يطيب العيش فيها وليس الموت والإماتة فيها فقط. كذلك، فإنّ العودة تسمح للفلسطينيين بالبدء في سيرورة مصالحة مع اليهود وتؤشّر على انتهاء فترة الكولونيالية في البلاد.

هدف ذاكرات
قامت ذاكرات لهدف جلب معرفة النكبة إلى الجمهور اليهوديّ في إسرائيل. معرفة النكبة هي شرط حتميّ للاعتراف بمسؤولية اليهود عن حصتهم في النكبة الفلسطينية، وهو شرط أساس للمصالحة مع الفلسطينيين مستقبلا. الاعتراف بالمسؤولية معناه الاعتراف بدين اليهود الأخلاقيّ عن عمليات الطرد والتخريب عام 1948، وكذلك اعتراف وتحقيق لحقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى بلادهم وفقًا لقرار الأمم المتّحدة رقم 194.

النشاط الذي يقوم به يهود في ذاكرات يعكس رغبة لدى يهود في إسرائيل بتغيير تعاطيهم بشكل أساسيّ مع المأساة التي حلّت بالفلسطينيين وأنشأت الأساس لإقامة الدولة اليهودية في البلاد. هؤلاء اليهود يسعون لمعرفة المأساة التي حلّت بالفلسطينيين، والإصغاء إلى معاناة اللاجئين الفلسطينيين وذرّيتهم. إنهم يسعون لفهم النكبة أيضًا كتاريخ لهم أنفسهم. اليهود (الصهيونيون) طردوا الفلسطينيين ومنعوا عودتهم، لذلك فإنّ هذه القصّة أيضًا هي "قصة يهودية". لا يمكن فهم (وتحدّي) هوية اليهود في البلاد بدون التطرّق إلى التطهير العرقي الذي أتاح لهم الحياة في دولة تمّت إقامتها لليهود فقط.

معرفة النكبة تجعلنا نلتقي مع قصص أخرى حول علاقات يهود وعرب في البلاد قبل النكبة وخلالها. منها حول الجيرة الحسنة ومحاولات المعارضة من قبل يهود للفظائع ضد فلسطينيين، والتي تتحدّى الرواية المهيمنة. هذه القصص "المقاومة" تذكّر دائمًا أنه كانت هناك إمكانيات أخرى في كل لحظة زمنية، وأنه كان يمكن دائمًا للتاريخ أن يسير بشكل مختلف. التاريخ ليس سيرورة سببية معروفة النهاية سلفًا. التواريخ الأخرى هامة لغرض إدراك الحاضر، لكنها أهم بما يفوق ذلك من أجل تحدّي إدراك الماضي الذاتي للمجموع اليهودي في إسرائيل. هكذا يجب فهم التاريخ أيضًا، كأمر غير مفروض سلفًا. النكبة هي نوع من نقطة صفر للصراع، لكن التاريخ منذ تلك اللحظة صنعه أشخاص بواسطة قرارات سياسية حاسمة. فتح هذه القرارات للجدل والقراءة المجدّدة يشكّل رافعة هامة لتغيير مستقبليّ في العلاقات مع الفلسطينيين.

تذكّر النكبة باللغة العبرية معناه خلق لغة جديدة تقلقل اللغة السائدة في الجمهور اليهودي. لغة عبرية مع نكبة في داخلها لا يمكن أن تظل لغة يهودية طاهرة، ولو بفعل المصطلح العربي نفسه الذي يشير إلى المأساة. مقابل قصص النكبة يجب أن يقف اليهود بوصفهم عنوانًا لها. اللغة الجديدة التي تُكتب هي لغة ممزّقة تعي الفجوات غير القابلة للجسر فيها. إنّها لغة أغنى، مثلنا نحن كبشر.

عمل ذاكرات
ذاكرات هي إعلان عن عدم معرفة النكبة وعن أهميّة التعلّم عنها. في محاكاة للمقولة الشهيرة المنسوبة إلى سقراط يمكن القول إنّ الشيء الوحيد الذي نعرفه بيقينيّة هو أنّنا لا نعرف (تقريبًا) شيئًا عن النكبة الفلسطينية. المربّي العظيم باولو فيريري يذكرنا بأنّ الجهل والوعي به هو نقطة الانطلاق التي تتطوّر منها المعرفة. إذًا، ذاكرات هي مجموعة تتعلم من خلال النشاط وتسعى لدفع ممارسة تعلّم النكبة بين اليهود في إسرائيل. وفقًا لـ جيجيك "الممارسة تختلف عن المشاركة الفاعلة (الفعل) بكونها تغيّر من يمارسها بشكل قصويّ (وكيلها). الممارسة ليست شيئًا "أنفّذه" بكل بساطة – فبعد الممارسة "لا أعود ما كنت"، ببساطة". ذاكرات تقترح على اليهود في إسرائيل سيرورة من التغيير الذاتي وغير البسيط "التعلّم عن تاريخ بعيد".  تسعى ذاكرات إلى الدفع قدمًا بالاعتراف بالنكبة لدى الجمهور اليهودي في إسرائيل بأشكال تلائم قدرة اليهود على التعاطي مع هذا الموضوع المشحون. هناك يهود في إسرائيل يرون عادة تماثلا بين تناول النكبة واللاجئين الفلسطينيين وبين التشكيك باستمرار حياتهم في البلاد. لذلك، من المهمّ تحديد مواقف واضحة (كما سبق أعلاه)، ولكن يجب الأخذ بالاعتبار قلّة المعرفة وصعوبة تعلم النكبة والإصغاء إلى معاناة ضحاياها. من هنا فإنّ الجهد الأساس يتركز في محاولة جلب النكبة بواسطة فلسطينيين عايشوها، إلى الجمهور في إسرائيل، وليس محاولة الإقناع بالمواقف السياسية الصحيحة بخصوص حلّ الصراع. يجب تقديم قصص مختلفة – أحيانًا تناقض الواحدة الخرى – مقابل القصّة الصهيونية. في إزاء المحاولة الإشكالية لتقديم تواصل تاريخيّ واحد "حقيقيّ"، يجب ثقب القصّة القائمة من أجل تمكين قصص أخرى من الظهور.

تعمل ذاكرات من خلال الظهور والتدخّل في الحيّز في محاولة للتأثير على ذلك الخطاب في إسرائيل الذي يتجاهل المواقع الفلسطينية التي دُمّرت في النكبة. كذلك، تفعّل ذاكرات مجموعات مختلفة تتعلّم النكبة بشكل معمّق وتحاول إيجاد طرق لنقلها إلى الجمهور اليهودي في إسرائيل.