لماذا تقولون


على العكس من الاعتقاد السائد، تثبت المصادر التاريخية، وبضمنها وثائق صادرة عن الجيش الإسرائيلي، أن معظم عمليات تهجير السكان الفلسطينيين قد حدثت خلال الأشهر الأولى من الحرب نتيجة "العمليات العسكرية للقوات اليهودية المقاتلة". إن عمليات الترهيب ودفع السكان المدنيين إلى الهروب كان تكتيكا مقصودا للقوات الصهيونية، إلى جانب عمليات التهجير المقصودة التي بادرت إليها هذه القوات عبر قوافل مشاة أو عبر شاحنات عسكرية. وقد كان دور الزعامات العربية في ترك الفلسطينيين ضئيلا.

إنّ طرد السكان من منازلهم ومنعهم من العودة هو عمل متطرف وقاس، ينتهك بصورة شديدة أبسط الحقوق الإنسانية، ولذا فهو محظور بموجب القانون الدولي بصورة صارمة وشاملة. لا يمكن تبرير عملية طرد ونهب أملاك السكان الفلسطينيين، بالحجم الذي تمّت به هذه العمليات، بوصفها جزءا من أحداث الحرب. لقد تحول نحو 750 ألفا من النساء والرجال إلى لاجئين في هذه الحرب، وتمت مصادرة أملاكهم. وقد تم دفع نحو نصفهم إلى الهرب، أو تم طردهم، قبل انضمام الجيوش العربية للحرب. كما لا يمكن تبرير منع عودتهم، وهذا ما لا علاقة له بموضوع المسؤولية عن اندلاع الحرب.

إن فكرة أن نتائج حرب 1948 يمكن فصلها عن كل ما حدث ولا يزال يحدث بعدها، و "تجاوز المسألة" ترتكز إلى مفهوم التفوق اليهودي- الصهيوني الذي لا يوجد أي مبرر تاريخي له، لا من ناحية قانونية ولا من ناحية إنسانية. فأولا، لم يتم قصر سياسات التهجير على سنوات الحرب، بل استمرت في سنوات الخمسينات، وخلال سنة 1967 وعبر أحداث لاحقة إضافية. وثانيا، مثل هذا التوجه يمسح الفلسطينيين أنفسهم تماما: فالكارثة لم تنته بالنسبة للاجئين الذين ليس بمقدورهم حتى زيارة خرائب قراهم، والكارثة بالنسبة للعائلات المشطورة التي لا يمكنها أن تفرح أو تحزن معا، والكارثة بالنسبة لسيدة من سكان يافا، أختها محاصرة في غزة، أو لأحد سكان جنين، يريد الزواج من حبيبته في حيفا، لم تنته بعد.

غالبا ما ارتبطت  عملية طرد الفلسطينيين بطرد آخرين على مرّ التاريخ، هذا الطرد يتم تبريره نتيجة لها. لا توجد عملية تهجير وطرد مبررة. لقد تمّ تهجير اليهود أيضا بوحشية، وهي واحدة من الأسباب التي دعت العالم إلى الاعتراف بحقهم في دولة ذات سيادة. وفي غالبية حالات التهجير (بما فيها إسبانيا الكاثوليكية، وألمانيا النازية)، اعتذر المجرمون، وقد تم دفع تعويضات، وإقامة أنصاب تذكارية، وتمت بلورة مضامين تربوية، وصار بإمكان أحفاد الضحايا الحصول على جنسيات وحقوق. ينبغي أن ينطبق نفس القانون أيضا على يهود الدول العربية والإسلامية، إذا ما رغبوا بالعودة إلى بلدانهم الأصلية. لم يتم تنفيذ أي من هذه الخطوات في السياق الفلسطيني، ناهيك عن استمرار السيطرة والقمع بحقهم.